فصل: سورة الغاشية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (14- 19):

{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)}
{أفلح} في هذه الآية معناه: فاز ببغيته، {وتزكى} معناه: طهر نفسه ونماها إلى الخير. قال ابن عباس: قال لا إله إلا الله فتطهر من الشرك، وقال الحسن: من كان عمله زاكياً، وقال أبو الأحوص: من رضخ من ماله وزكاه، وقوله: {وذكر اسم ربه} معناه: وحّده وصلى له الصلوات التي فرضت عليه، وتنفل أيضاً بما أمكنه من صلاة وبرّ، وقال أبو سعيد الخدري وابن عمر وابن المسيب: هذه الآية في صبيحة يوم الفطر فتزكى، أدى زكاة الفطر، {وذكر اسم ربه}، هو ذكر الله في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام، والصلاة هي صلاة العيد، وقد روي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة وكثير من المتأولين: {تزكى}: أدى زكاة ماله، وصلى معناه صلى الخمس، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يؤثرون {الحياة الدنيا}، فالكفار يؤثرها إيثار كفر يرى أن لا آخرة، والمؤمن يؤثرها إيثار معصية وغلبة نفس إلا من عصم الله، وقرأ أبو عمرو وحده {يؤثرون} بالياء، وقال: يعني الأشقين، وهي قراءة ابن مسعود والحسن وأبي رجاء والجحدري، وقرأ الباقون والناس: {تؤثرون} بالتاء على المخاطبة، وفي حرف أبي بن كعب {بل أنتم تؤثرون} وسبب الإيثار حب العاجل والجهل ببقاء الآخرة، وقال عمر: ما في الدنيا في الآخرة إلا كنفخة أرنب، وقوله تعالى: {إن هذا} قال الضحاك: أراد القرآن، وروي أن القرآن انتسخ من {الصحف الأولى} وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: الإشارة إلى معاني السورة، وقال ابن زيد: الإشارة إلى هذين الخبرين إفلاح من تزكى وإيثار الناس للدنيا مع فضل الآخرة عليها، وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه بهذا. وقوله تعالى: {لفي الصحف الأولى} أي لم ينسخ هذا قط في شرع من الشرائع فهو في الأولى وفي الأخيرات، ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» أي أنه مما جاءت به الأولى واستمر في الغي، وقرأ الجمهور {الصحُف} مضمونة الحاء، وروى هارون عن أبي عمرو بسكون الحاء، وهي قراءة الأعمش، وقرأ أبو رجاء: {إبراهيم} بغير الياء ولا ألف، وقرأ ابن الزبير {ابراهام} في كل القرآن، وكذلك أبو موسى الأشعري، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة {إبراهِم} بكسر الهاء وبغير ياء في جميع القرآن وروي أن {صحف إبراهيم} نزلت في أول ليلة من رمضان، والتوراة في السادسة من رمضان والزبور في اثني عشرة منه والإنجيل في ثمان عشرة منه والقرآن في أربعة عشرة.
نجز تفسير سورة {الأعلى} والحمدلله كثيراً.

.سورة الغاشية:

.تفسير الآيات (1- 11):

{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11)}
قال بعض المفسرين: {هل} بمعنى قد، وقال الحذاق: هي على بابها توقيف، فائدته تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، وقيل المعنى هل كان هذا من علمك لولا ما علمناك، ففي هذا التأويل تعديد النعمة. و{الغاشية} القيامة لأنها تغشى العالم كله بهولها وتغييرها لبنيته، قاله سفيان وجمهور من المتأولين، وقال ابن جبير ومحمد بن كعب: {الغاشية} النار، وقد قال تعالى: {وتغشى وجوههم النار} [إبراهيم: 50]، وقال: {ومن فوقهم غواش} [الأعراف: 41] فهي تغشى سكانها والقول الأول يؤيده قوله تعالى: {وجوه يومئذ}، والوجوه الخاشعة، وجوه الكفار وخشوعها ذلها وتغيرها بالعذاب، واختلف الناس في قوله تعالى: {عاملة ناصبة} فيها والنصب، التعب، لأنها تكبرت عن العمل لله في الدنيا فأعملها في الآخرة في ناره، وقال عكرمة والسدي: المعنى: {عاملة} في الدنيا {ناصبة} يوم القيامة، فالعمل على هذا هو مساعي الدنيا، وقال ابن عباس وزيد بن أسلم وابن جبير: المعنى: هي {عاملة} في الدنيا {ناصبة} فيها لأنها على غير هدى، فلا ثمرة لعملها إلا النصب وخاتمته النار. قالوا: والآية في القسيسين وعبدة الأوثان وكل مجتهد في كفر، وقد ذهب هذا المذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تأويل الآية، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهداً، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال إن فيهم المجتهد، وقرأ ابن كثير في رواية شبل وابن محيصن: {عاملةً ناصبةً} بالنصب على الذم، والناصب فعل مضمر تقديره أذم أو أغني ونحو هذا، وقرأ الستة وحفص عن عاصم والأعرج وطلحة وأبو جعفر والحسن: {تَصْلى} بفتح التاء وسكون الصاد على بناء الفعل للفاعل، أي الوجوه، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن محيصن، واختلف عن نافع وعن الأعرج {تُصْلى} تضم التاء وسكون الصاد، وذلك يحتمل أن يكون من صليته النار على معنى أصليته، فيكون كتضرب، ويحتمل أن يكون من أصليت، فتكون كتكرم، وقرأ بعض الناس: {تُصَلّى} بضم التاء وفتح الصاد وشد اللام على التعدية بالتضعيف، حكاها أبو عمرو بن العلاء، والحامية، المتوقدة المتوهجة، والآنية: التي قد انتهى حرها كما قال تعالى: {وبين حميم آن} [الرحمن: 44]، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد، وقال ابن زيد: معنى {آنية}: حاضرة لهم من قولك آن الشيء إذا حضر، واختلف الناس في الضريع، فقال الحسن وجماعة من المفسرين: هو الزقوم، لأن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أن الكفار لا طعام لهم {إلا من ضريع}، وقد أخبر أن الزقوم طعام الأثيم، فذلك يقتضي أن الضريع الزقوم، وقاله سعيد بن جبير الضريع: الحجارة، وقال مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة: الضريع شبرق النار، وقال أبو حنيفة: الضريع الشبرق وهو مرعى سوء لا تعقد السائمة عليه شحماً ولا لحماً، ومنه قول أبي عيزارة الهذلي: [الطويل]
وحبسْنَ في هزم الضريع فكلها ** جرباء دامية اليدين حرود

وقال أبو ذؤيب:
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ** وعاد ضريعاً بان منه الخائض

وقيل الضريع: العشرق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الضريع»: شوك في النار، وقال بعض اللغويين: الضريع يبيس العرفج إذا تحطم، وقال آخرون: هو رطب العرفج، وقال الزجاج: هو نبت كالعوسج، وقال بعض المفسرين: الضريع نبت في البحر أخضر منتن مجوف مستطيل له بورقية كثيرة، وقال ابن عباس: الضريع: شجر من نار، وكل من ذكر شيئاً مما ذكرناه فإنما يعني أن ذلك من نار ولا بد، وكل ما في النار فهو نار. وقال قوم: {ضريع} واد في جهنم، وقال جماعة من المتأولين: الضريع طعام أهل النار ولم يرد أن يخصص شيئاً مما ذكرنا، وقال بعض اللغويين: وهذا لا تعرفه العرب، وقيل: الضريع: الجلدة التي على العظم تحت اللحم، ولا أعرف من تأول الآية بهذا، وأهل هذه الأقاويل يقولون الزقوم لطائفة، والضريع لطائفة والغسلين لطائفة، واختلف في المعنى الذي سمي ضريعاً فقيل هو ضريع بمعنى مضرع أي مضعف للبدن مهزل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد جعفر بن أبي طالب: «ما لي أراهما ضارعين»؟ يريد هزيلين، ومن فعيل بمعنى مفعل قول عمرو بن معد يكرب: [الوافر]
أمن ريحانة الداعي السميع ** يؤرقني وأصحابي هجوم

يريد السمع، وقيل {ضريع} فعيل من المضارعة، أي الاشتباه لأنه يشبه المرعى الجيد ويضارعه في الظاهر وليس به. ولما ذكر تعالى وجوه أهل النار، عقب ذلك بذكره وجوه أهل الجنة ليبين الفرق، وقوله تعالى: {لسعيها} يريد لعملها في الدنيا وطاعتها، والمعنى لثواب سعيها والتنعيم عليه، ووصف الجنة بالعلو وذلك يصح من جهة المسافة والمكان ومن جهة المكانة والمنزلة أيضاً، وقرأ نافع وحده وابن كثير وأبو عمرو بخلاف عنهما والأعرج وأهل مكة والمدينة {لا تسمع فيها لاغية} أي ذات لغو، فهي على النسب، وفسره بعضهم على معنى لا تسمع فيها فئة أو جماعة لاغية ناطقة بسوء. قال أبو عبيدة: {لاغية}؛ مصدر كالعاقبة والخائنة، وقرأ الجحدري {لا تُسمع} بضم التاء، {لاغيةً} بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {لا يُسمع} بالياء من تحت مضمومة {لاغيةٌ} بالرفع، وهي قراءة ابن محيصن وعيسى والجحدري أيضاً.

.تفسير الآيات (12- 26):

{فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)}
{عين} في هذه الآية اسم جنس، ويحتمل أن تكون عيناً مخصوصة ذكرت على جهة التشريف لها. ورفع السرر أشرف لها، والأكواب أوان كالأباريق لا عرى لها ولا آذان ولا خراطيم، وشكلها عند العرب معروف. و{موضوعة} معناه بأشربتها معدة والنمرقة الوسادة، ويقال نمرقة بكسر النون والراء وقال زهير: [الطويل]
كهولاً وشباناً حساناً وجوههم ** على سُررِ مصفوفةٍ ونمارق

والزرابي واحدتها زريبة، ويقال بفتح الزاي وهي كالطنافس لها خمل، قاله الفراء وهي ملونات، و{مبثوثة} معناه كثيرة متفرقة، ثم أقام تعالى الحجة على منكري قدرته على بعث الأجساد بأن وقفهم على موضع العبرة في مخلوقاته، و{الإبل} في هذه الآية هي الجمال المعروفة، هذا قول جمهور المتأولين، وفي الجمل آيات وعبر لمن تأمل ليس في الحيوان ما يقوم من البروك بحمله سواه وهو على قوته غاية في الانقياد. قال الثعلبي في بعض التفاسير: إن فأرة جرت بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الحجر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر، وكان سريح القاضي يقول لأصحابة: اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وقال أبو العباس المبرد {الإبل} هنا السحاب، لأن العرب قد تسميها بذلك إذ تأتيها أرسالاً كالإبل وتزجى كما تزجى الإبل في هيئتها أحياناً تشبه الإبل والنعام، ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
كأن السحاب دوين السما ** نعام تعلق بالأرجلِ

وقرأ أبو عمر بخلاف وعيسى {الإبلّ} بشد اللام وهي السحاب فيما ذكر قوم من اللغويين والنقاش وقرأ الجمهور {خُلقَت} بفتح القاف وضم الخاء، وقرأ علي بن أبي طالب {خَلقْت} بفتح الخاء وسكون القاف على فعل التكلم، وكذلك رفعت ونصبت {وسطحت} وقرأ أبو حيوة {رفّعت} و{نصّبت} و{سطّحت} بالتشديد فيها، و{نصبت} معناه: أثبتت قائمة في الهواء لا تنتطح، وقرأ الجمهور {سطِحت} وقرأ هارون الرشيد {سطّحت} بشد الطاء على المبالغة، وهي قراءة الحسن، وظاهر هذه الآية أن الأرض سطح لها كرة، وهو الذي عليه أهل العلم، والقول بكريتها وإن كان لا ينقص ركناً من أركان الشرع، فهو قول لا يثبته علماء الشرع، ثم أمر تعالى نبيه بالتذكير بهذه الآية ونحوها، ثم نفى أن يكون مصطيراً على الناس، أي قاهراً جاهداً مع تكبر تسلطاً عليهم، يقال تسيطر علينا فلان، وقرأ بعض الناس {بمسيطر} بالسين وبعضهم بالصاد، وقد تقدم وقرأ هارون {بمصيطَر} بفتح الطاء وهي لغة تميم وليس في كلام العرب على هذا البناء غير مسيطر ومبيطر ومبيقر ومهيمن، وقوله تعالى: {إلا من تولى وكفر} قال بعض المتأولين الاستثناء متصل والمعنى {إلا من تولى} فإنك مصيطر عليه فالآية على هذا لا نسخ فيها وقال آخرون منهم، الاستثناء منفصل، والمعنى {لست عليهم بمصيطر} وتم الكلام، وهي آية موادعة منسوخة بالسيف ثم قال: {إلا من تولى وكفر فيعذبه الله}، وهذا هو القول الصحيح لأن السورة مكية، والقتال إنما نزل بالمدينة، و{من} بمعنى الذي.

.سورة الفجر:

.تفسير الآيات (1- 14):

{وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)}
قال جمهور من المتأولين: {الفجر} هنا المشهور الطالع كل يوم، قال ابن عباس: {الفجر} النهار كله، وقال ابن عباس أيضاً وزيد بن أسلم: {الفجر} الذي أقسم الله به، صلاة الصبح، وقراءتها هو قرآن الفجر، وقال مجاهد: إنما أراد فجر يوم النحر، وقال الضحاك: المراد فجر ذي الحجة، وقال مقاتل المراد فجر ليلة جمع، وقال ابن عباس: أيضاً: المراد فجر أول يوم من المحرم، لأنه فجر السنة، وقيل المراد فجر العيون من الصخور وغيرها، وقال عكرمة: المراد فجر يوم الجمعة، واختلف الناس في الليالي العشر فقال بعض الرواة: هي العشر الأولى من رمضان، وقال الضحاك وابن عباس: هي العشر الأواخر من رمضان، وقال بنان وجماعة من المتأولين: هي العشر الأولى من المحرم، وفيه يوم عاشوراء، وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وعطية العوفي وابن الزبير رضي الله عنه: هي عشر ذي الحجة، وقال مجاهد: هي عشر موسى التي أتمها الله له، وقرأ الجمهور {وليالٍ}، وقرأ بعض القراء {وليالي عشر} بالإضافة وكأن هذا على أن العشر مشار إليه معين بالعلم به، ثم وقع القسم بلياليه فكأن العشر اسم لزمه حتى عومل معاملة الفرد، ثم وصف ومن راعى فيه الليالي قال العشر الوسط، واختلف الناس في {الشفع والوتر} فقال جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: {الشفع} يوم النحر {والوتر} يوم عرفة وروى أيوب عنه صلى الله عليه وسلم قال: «الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر» وروى عمران بن حصين عنه عليه السلام أنه قال: «هي الصلوات منها الشفع ومنها الوتر» وقال ابن الزبير وغيره: {الشفع} اليومان من أيام التشريق {والوتر}، اليوم الثالث، وقال آخرون: {الشفع}، العالم {والوتر}، الله إذا هو الواحد محضاً وسواه ليس كذلك، وقال بعض المتأولين: {الشفع} آدم وحواء، و{الوتر} الله، وقال ابن سيرين ومسروق وأبو صالح: {الشفع والوتر} شائعان الخلق كله، الإيمان والكفر والإنس والجن وما اطرد على نحو هذا فهي أضداد أو كالأضداد، وترها الله تعالى فرد أحد. وقيل {الشفع}: الصفا والمروة، {والوتر} البيت، وقال الحسن بن الفضل: {الشفع} أبواب الجنة لأنها ثمانية أبواب، {والوتر} أبواب النار لأنها سبعة أبواب، وقال مقاتل: {الشفع} الأيام والليالي، {والوتر} يوم القيامة لأنه لا ليل بعده، {والوتر} اتحاد صفات الله تعالى، عز محض وكرم محض ونحوه، وقيل {الشفع}، قرآن الحج والعمرة، {والوتر} الإفراد في الحج، وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالعدد لأنه إما شفع وإما وتر، وقال بعض المفسرين: {الشفع} حواء {والوتر} آدم عليه السلام، وقال ابن عباس ومجاهد: {الوتر} صلاة المغرب، و{الشفع} صلاة الصبح، وقال أبو العالية: {الشفع} الركعتان من المغرب {والوتر} الركعة الأخيرة، وقال بعض العلماء: {الشفع} تنفل الليل مثنى مثنى {والوتر} الركعة الأخيرة معروفة، وقرأ جمهور القراء والناس {والوَتر} بفتح الواو، وهي لغة قريش وأهل الحجاز، وقرأ حمزة والكسائي والحسن بخلاف وأبو رجاء وابن وثاب وطلحة والأعمش وقتادة: {والوِتر} بكسر الواو، وهي لغة تميم وبكر بن وائل، وذكر الزهراوي أن الأغر رواها عن ابن عباس وهما لغتان في الفرد، وأما الدخل فإنما هو وتر بالكسر لا غير، وقد ذكر الزهراوي أن الأصمعي حكى فيه اللغتين الفتح والكسر، وسرى الليل ذهابه وانقراضه، هذا قول الجمهور، وقال ابن قتيبة والأخفش وغيره، المعنى {إذا يسري} فيه فيخرج هذا الكلام مخرج ليل نائم ونهار بطال.
وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: أراد بهذا ليلة جمع لأنه يسرى فيها، وقرأ الجمهور: {يسر} دون ياء في وصل ووقف، وقرأ ابن كثير: {يسري} بالياء في وصل ووقف، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه {يسري} بباء في الوصل ودونها في الوقف وحذفها تخفيف لاعتدال رؤوس الآي إذ هي فواصل كالقوافي، قال اليزيدي: الوصل في هذا وما أشبهه بالياء، والوقف بغير ياء على خط المصحف. ووقف تعالى على هذه الأقسام العظام هل فيها مقنع وحسب لذي عقل. و{الحجر} العقل والنهية، والمعنى فيزدجر ذو الحجر وينظر في آيات الله تعالى، ثم وقف تعالى على مصانع الأمم الخالية الكافرة وما فعل ربك من التعذيب والإهلاك والمراد بذلك توعد قريش ونصب المثل لها. و{عاد} قبيلة لا خلاف في ذلك، واختلف الناس في {إرم} فقال مجاهد وقتادة: هي القبيلة بعينها، وهذا على قول ابن الرقيات: [المنسرح]
مجداً تليداً بناه أوله ** أدرك عاداً وقبله إرما

وقال زهير: [البسيط]
وآخرين ترى الماذي عدتهم ** من نسج داود أو ما أورثت إرم

قال ابن إسحاق: {إرم} هو أبو عاد كلها، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقال: هو أحد أجدادها، وقال جمهور المفسيرين: {إرم} مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن، وقال محمد بن كعب: هي الإسكندرية، وقال سعيد بن المسيب والمقري: هي دمشق، وهذان القولان ضعيفان، وقال مجاهد {إرم} معناه القديمة، وقرأ الجمهور {بعادٍ وإرمٍ} فصرفوا {عاداً} على إرادة الحي ونعت ب {إرم} بكسر الهمزة على أنها القبيلة بعينها، ويؤيد هذا قول اليهود للعرب: سيخرج فينا نبي نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فهذا يقتضي أنها قبيلة، وعلى هذه القراءة يتجه أن يكون {إرم} أباً لعاد أو جداً غلب اسمه على القبيل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن {بعادَ إرمٍ} بترك الصرف في عاد وإضافتها إلى {إرم}، وهذا يتجه على أن يكون {إرم} أباً أو جداً وعلى أن تكون مدينة، وقرأ الضحاك {بعادَ أرَمَ} بفتح الدال والهمزة من {أرَمَ} وفتح الراء والميم على ترك الصرف في {عاد} والإضافة، وقرأ ابن عباس والضحاك {بعاد إرمّ} بشد الميم على الفعل الماضي بمعنى بلى وصار رميماً، يقال ارمّ العظم وأرم وأرمه الله تعدية رم بالهمزة، وقرأ ابن عباس أيضاً: {ارم ذاتَ} بالنصب في التاء على إيقاع الإرمام عليها، أي أبلاها ربك وجعلها رميماً، وقرأ ابن الزبير: {أرِم ذات العماد} بفتح الهمزة وكسر الراء، وهي لغة في المدينة، وقرأ الضحاك بن مزاحم {أرْم} بسكون الراء وفتح الهمزة وهو تخفيف في ارم كفخذة وفخذ، واختلف الناس في قوله تعالى: {ذات العماد} فمن قال: {إرم} مدينة، قال العماد أعمدة الحجارة التي بنيت بها، وقيل القصور العالية والأبراج يقال لها عماد، ومن قال: {إرم} قبيلة قال: {العماد} إما أعمدة بنيانهم وإما أعمدة بيوتهم التي يرحلون بها لأنهم كانوا أهل عمود ينتجعون البلاد، قاله مقاتل وجماعة.
وقال ابن عباس: هي كناية عن طول أبدانهم، وقرأ الجمهور: {يُخلَق} بضم الياء وفتح اللام {مثلُها} رفعاً، وقرأ ابن الزبير {يَخلُق} بفتح الياء وضم اللام {ومثلَها} نصباً، وذكر أبو عمرو الداني عنه أنه قرأ {نخلق} بالنون وضم اللام مثلَها نصباً، وذكر التي قبل هذه عن عكرمة، والضمير في {مثلها} يعود إما على المدينة وإما على القبيلة، وقرأ يحيى بن وثاب وثموداً بتنوين الدال، و{جابوا الصخر} معناه خرقوه ونحتوه، وكانوا في أوديتهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة، والوادي ما بين الجبلين وإن لم يكن فيه ماء، هذا قول كثير من المفسرين في معنى {جابوا الصخر بالواد} وقال الثعلبي: يريد بوادي القرى، وقال قوم: المعنى جابوا واديهم وجلبوا ماءهم في صخر شقوه، وهذا فعل ذوي القوة والآمال، وقرأ ابن كثير بالوادي بياء، وقرأ أكثر السبعة {بالواد} ياء واختلف في ذلك نافع، وقد تقدم هذا، {وفرعون} هو فرعون موسى، واختلف الناس في أوتاده فقيل أبنيته العالية العظيمة، قاله محمد بن كعب، وقيل جنوده الذين بهم يثبت ملكه وقيل المراد أوتاد أخبية عساكره وذكرت لكثرتها ودلالتها على غزواته وطوفه في البلاد، قاله ابن عباس ومنه قول الأسود بن يعفر:
في ظل ملك ثابت الأوتاد

وقال قتادة: كان له أوتاد يلعب عليها الرجال بين يديه وهو مشرف عليهم، وقال مجاهد: كان يوتد الناس بأوتاد الحديد يقتلهم بذلك يضربها في أبدانهم حتى تنفذ إلى الأرض، وقيل إنما فعل ذلك بزوجته آسية، وقيل إنما فعل بماشطة ابنته لأنها كانت آمنت بموسى، والطغيان تجاوز الحدود، والصب يستعمل في السوط لأنه يقتضي سرعة في النزول، ومنه قول الشاعر في المحدودين في الإفك:
................